الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )
216
بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة
وظلّ أهل العراق يومهم ذلك وليلتهم بلا ماء ، إلّا من كان ينصرف من الغلمان إلى طرف الغيضة ، فيمشي مقدار فرسخين فيستقي ، فغمّ عليّا عليه السّلام أمر الناس غمّا شديدا ، فأتاه الأشعث فقال : أيمنعنا القوم الماء وأنت فينا ومعنا سيوفنا ولّني الزحف إليه ، فو اللّه لا أرجع أو أموت ، ومر الأشتر فلينضم إليّ في خيله . فقال له عليّ عليه السّلام : إيت في ذلك ما رأيت . فلمّا أصبح زاحف أبا الأعور فاقتتلوا ، وصدقهم الأشتر والأشعث حتى نفيا أبا الأعور عن الشريعة ، وصارت في أيديهما ، فقال عمرو لمعاوية : ما ظنّك بالقوم اليوم ان منعوك كما منعتهم فقال معاوية : دع ما مضى ، ما ظنّك بعليّ قال : ظنّي أنهّ لا يستحلّ منك ما استحللت منه ، لأنهّ أتاك في غير أمر الماء . ثم توادع الناس . . . . ثمّ إنّ معاوية كما تصرّف الماء في أوّل وروده ، ومنع أصحابه عليه السّلام الماء ، كذلك تصرفها بحيلة بعد ذلك ، ففي ( صفين نصر ) ( 1 ) : كتب معاوية في سهم : من عبد اللّه الناصح ، فإنّي أخبركم أنّ معاوية يريد أن يفجر عليكم الفرات فيغرقكم ، فخذوا حذركم . ثمّ رمى بالسهم في عسكر علي عليه السّلام ، فوقع السهم في يدي رجل من أهل الكوفة . فقرأه ثم أقرأه صاحبه ، فلما قرأه وأقرأه الناس قالوا : هذا أخ لنا ناصح ، كتب إليكم يخبركم بما أراد معاوية . فلم يزل السهم يقرأ حتى دفع إلى أمير المؤمنين عليه السّلام ، وقد بعث معاوية مائتي رجل من الفعلة إلى عاقول من النهر ، بأيديهم المرود والزنبيل يحفرون فيها بحيال عسكر علي عليه السّلام ، فقال علي عليه السّلام : ويحكم إنّ الّذي يعالج معاوية لا يستقيم له ، وإنّما يريد أن يزيلكم عن مكانكم ، فالهوا عن ذلك . فقالوا له : هم واللّه يحفرون الساعة . فقال : ويحكم لا تغلبوني على رأيي . فقالوا : واللّه لنرتحلن ، فإن شئت فارتحل وإن شئت فأقم . فارتحلوا ، وارتحل علي عليه السّلام
--> ( 1 ) صفين لنصر بن مزاحم : 190 .